الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هجري الموافق ل 24 نونبر 2017 ميلادي

آخر الأخبار

زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى إندونيسيا في أوائل دجنبر 2017

زيارة مرتقبة للملك محمد السادس إلى إندونيسيا في أوائل دجنبر 2017 ... المزيد

افتتاح الأسبوع المغربي للصناعة التقليدية الأول من نوعه بماليزيا

افتتاح الأسبوع المغربي للصناعة التقليدية الأول من نوعه بماليزيا ... المزيد

السفارة الإندونيسية بالرباط تحتفل بيوم الباتيك الوطني 2017

السفارة الإندونيسية بالرباط تحتفل بيوم الباتيك الوطني 2017 ... المزيد

السفارة التركية بالرباط تحتفل بالذكرى الـ 94 لتأسيس الجمهورية

السفارة التركية بالرباط تحتفل بالذكرى الـ 94 لتأسيس الجمهورية ... المزيد

انعقاد الدورة الثالثة للمشاورات السياسية بين المغـرب وماليزيا

انعقاد الدورة الثالثة للمشاورات السياسية بين المغـرب وماليزيا ... المزيد

العاهل المغـربي يهنئ رئيس جمهورية الصين الشعبية بمناسبة إعادة انتخابه أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني

العاهل المغـربي يهنئ رئيس جمهورية الصين الشعبية بمناسبة إعادة انتخابه أمينا عاما للحزب الشيوعي الصيني ... المزيد

... المزيد

صورة الأسبوع

... المزيد

مشروع كونفوشيوس الإصلاحي وموقفه من المرأة

أسعير البشير
باحث في مختبر حوار الحضارات ومقارنة الأديان
كلية الآداب والعلوم الإنسانية- سايس-فاس.المغرب

تختلف النظرة للمرأة في المجتمعات الإنسانية حسب اختلاف المعتقدات والأفكار والعادات عند كل شعب من الشعوب، وتتعدد الآراء حول طبيعة المرأة ووظيفتها في الحياة، تبعا لتعدد الفلسفات والرؤى في هذا الموضوع.

وإذا نظرنا في الفلسفات الشرقية القديمة، وجدناها لا تخرج عن هذا الإطار، فالتصور العام حول المرأة عند أصحاب هذه الفلسفات، أنها مجرد كائن من الدرجة الثانية وخادمة للرجل، وأنها يجب أن تبقى خاضعة له، وتابعة له في كل شيء، ورغم ما تميز به الحكماء والفلاسفة من عمق التفكير ودقة الملاحظة وطول التأمل..، و ما يقال عن تقدم هذه المجتمعات في شتى العلوم والتقنيات، وتميز أفرادها بالسلوك الحميد والتحلي بالمسؤولية، إلا أن هذا لم يمنع من وجود ثغرة كبيرة في هذه الفلسفات الوضعية فيما يخص نظرتهم للمرأة، وبقي هذا الاعتقاد السلبي تجاه المرأة مترسخا في الأوساط الشعبية منذ القدم.

والحديث عن الفلسفات الشرقية القديمة، يحيلنا على الفلسفة الكونفوشيوسية التي نشأت في الصين، وامتدت إلى البلاد المجاورة كاليابان وكوريا وأندونيسيا وغيرها...، وقد ساهمت الفلسفة الكونفوشيوسية في وضع لبنات الاستقرار الداخلي للصين، وأنشأت جيلا يحس بالمسؤولية تجاه بلده، وكان لصاحبها كونفوشيوس (1) الفضل الكبير في الإصلاحات الفكرية والسياسية والأخلاقية التي عرفتها الصين الحديثة.

ومن المعلوم أن كونفوشيوس دعا إلى مجموعة من المبادئ والقيم الأخلاقية الرفيعة، وحاول أن يغير واقع بلاده آنذاك، حين شهدت اضطرابات سياسية وفوضى اجتماعية كبيرة، وكان محور المشروع الإصلاحي الذي جاء به هو الإنسان، وكان الهدف الأسمى عنده هو تحقيق السعادة للإنسان الصيني.

إلا أن الإشكال الذي بقي مطروحا هو: هل كانت نظرة كونفوشيوس للمرأة- باعتبارها إنسانا- منصفة ومنسجمة مع مشروعه في الإصلاح؟ وهل كان وفيا لمبادئه الإصلاحية التي جاء بها في تصوره العام للمرأة؟

إن الإنسان في مدلوله العام يشمل الذكر والأنثى على السواء، فالرجل إنسان والمرأة أيضا إنسان، وكل منهما خلقه الله تعالى ليؤدي وظيفته في الحياة، ولا يمكن أن يحصل الاستقرار والتكامل في مجتمع ما دون أن يتعاون الرجل والمرأة معا، وكل رسالة تغفل هذا الاعتبار، تكون رسالة مبتورة ومشوهة المعالم كيفما كان مصدرها، ومهما تضمنت من نظم ومبادئ سامية.

وعلى الرغم من تأثر كونفوشيوس بالتراث الديني لأسلافه الصينيين المرتكز على عبادة السماء وتقديس آلهة أخرى كالملائكة وأرواح الآباء، إلا أن أفكاره الإصلاحية لم تكن تنبع من الدين، ولم يسلك مسلك الوعاظ والدعاة، بل اعتمد على قراءة واقعه، وخلاصة تجاربه في الحياة، ووظفها في تأسيس مشروعه الإصلاحي.

لم يذهب كونفوشيوس باتجاه الحديث عن أمور ما وراء الطبيعة، ولا بحث في نظام الكون وسننه، ولا هو أولى جل اهتمامه للبحث في المادة والماديات وظواهر الطبيعة ومظاهرها، وإنما تركز اهتمام كونفوشيوس على الإنسان.(2)

إن إصلاح الأوضاع في مجتمع ما، والعمل على تحقيق نهضته، لا يمكن أن يتحقق دون الاهتمام بإصلاح الإنسان بصفة عامة، وتغيير سلوكه من السيء إلى الحسن، ولذلك فإن الفلسفة الكونفوشيوسية جاءت لتثبيت دعائم الاستقرار والعدل الاجتماعي للإنسان الصيني، والقضاء على كل أشكال الظلم والقهر والمعاناة.

كان كونفوشيوس يرى في الإنسان الفرد جزءا فاعلا وأوليا في بناء النظام الاجتماعي الأخلاقي، فإن صلح الفرد وحسنت أخلاقه تنظمت الأسرة وتنظم من خلالها المجتمع، فالإنسان والإنسانية هما البداية والنهاية وهما الغاية، لأن كل أمر يجب أن يتوجه إلى سعادة الإنسان وإصلاح الأوضاع الأسرية والاجتماعية، لأنه بواسطة الإنسان الفاضل يتحقق السلام في المجتمع.(3)

إلا أن الواقع يبين أن كونفوشيوس لم يلتزم بمبادئه التي سطرها في مشروعه الإصلاحي، لاسيما ما يتعلق بقضية المرأة باعتبارها إنسانا له حقوق وعليه واجبات، إذ نجد أن الاهتمام انصب بالدرجة الأولى على الرجل وأغفل المرأة، وهذا يدل على سيادة العقلية الذكورية في الفلسفة الكونفوشيوسية.

يكفي أن نورد إشارات متناثرة في تراث كونفوشيوس بخصوص نظرته للمرأة، لنظهر النظرة السلبية التي كانت توجه للمرأة، واقصائها بشكل واضح في المشروع الإصلاحي الكونفوشيوسي، حيث كان يعتبرها مصدر غواية للرجل، وأراد كونفوشيوس أن يثبت نظريته التي تحط من شأن المرأة، وقد ألصق بها تهمة الفتنة والغواية، وكان أن سعى إلى هذه الغاية بإجراء اتخذه حيث دعا ثمانين من الفتيات الجميلات في موطنه لو lu ، وتركهن يرقصن أمام حاكم لو lu ومعاونيه، ولما حاول كونفوشيوس وتلميذه تسيلو أن يحولا أنظار الحكام عن الفتيات إلى موضوع آخر لم يفلحا، وقد أراد كونفوشيوس - من خلال هذه الواقعة- أن يثبت موقفه السلبي من المرأة، فعقب على ذلك بقوله: (احذر لسان المرأة إنك ستلدغ منه إن عاجلا وإن آجلا واحذر زيارة المرأة إنها ستصيبك إن عاجلا وإن آجلا.) (4) وهو يتفق في هذا الباب مع الرؤية التوراتية التي تعتبر المرأة رمزا للشر والغواية، جاء في العهد القديم:( فَقَالَ آدَمُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ).(5)، فالمرأة (حواء) عند اليهود والمسيحيين هي من أغوت آدم، وأخرجته من الجنة، وجاء في موضع آخر ما يشير إلى أن المرأة يجب أن تبقى خاضعة للرجل:( وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ).(6)

إن دعوة كونفوشيوس التي قامت من أجل الإصلاح، والتأسيس لمذهب سياسي اجتماعي أساسه الأخلاق، هذه الدعوة يعيبها هذا الموقف الذي يحط من شأن المرأة. إذ كيف يدعو كونفوشيوس إلى الترابط الأسروي في وقت يعطل فيه دور المرأة في الأسرة؟ وكيف يدعو إلى العلاقات السليمة واحترام الآخرين – خاصة الأكبر منا- وفي الوقت عينه يدعو إلى حجب المرأة والتقليل من شأنها؟(7)

وهذا ما نجده حاضرا في السلوك اليومي لكونفوشيوس نفسه (وكان يتناول الطعام بمفرده، ولا يدعو زوجته وأبناءه إلى المائدة معه إلا في أوقات قليلة نادرة، وإذا مات كان ينتظر من أرملته ألا تتزوج بعده، وكان يطلب إليها في بداية الأمر أن تحرق نفسها تكريما له، وظلت حوادث من هذا النوع تقع في الصين إلى أواخر القرن التاسع عشر بعد الميلاد، وكانت النساء يعشن في أقسام خاصة من المنزل، وقلما كن يختلطن فيه بالرجال). (8)

يظهر من هذا الكلام، أن كونفوشيوس لم يكن يختلف في اعتقاده ونظرته للمرأة عما كان سائدا عند البوذيين والشنتويين (9) بحيث جعلها في مرتبة متأخرة، واعتبرها غير ذات شأن في المجتمع، وهذا ما يجعل من مشروع كونفوشيوس الإصلاحي مشروعا ناقصا، نظرا لإقصائه للمرأة، بل الأكثر من ذلك أن كونفوشيوس سقط في التناقض عندما أقر أمورا رئيسية في بنائه الأخلاقي للمجتمع، ومن ضمنها الدعوة إلى احترام الآباء، وفي الوقت نفسه لا نجد تقدير للمرأة في هذا المشروع، حيث أنه:

- دعا إلى احترام الآباء والعناية بشدة إلى تماسك الأسرة، ولذ ا ترى في كتبه عبارات كثيرة في الدعوة إلى احترام الآباء وجعل ذلك أساسا من أسس الكمال في نظره، فهو يقول: " واجب الولد البر بأبويه إذا كان داخل المنزل، والاحترام لذوي الأسنان* إذا كان خارجه..."(10)

ومن المبادئ الأخلاقية التي جاء بها كونفوشيوس:"عدم جرح الآخرين بالكلام أثناء محادثتهم. (11)

ويقول كونفوشيوس:(إن القدامى الذين أرادوا أن ينشروا أرقى الفضائل في أنحاء الامبراطورية قد بدأوا بتنظيم ولاياتهم أحسن تنظيم، ولما أرادوا أن يحسنوا تنظيم ولاياتهم بدأوا بتنظيم أسرهم، ولما أرادوا تنظيم أسرهم بدأوا بتهذيب نفوسهم، ولما أرادوا أن يهذبوا نفوسهم بدأوا بتطهير قلوبهم، ولما أرادوا أن يطهروا قلوبهم، عملوا أولا على أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم، ولما أرادوا أن يكونوا مخلصين في تفكيرهم بدأوا بتوسيع معارفهم إلى أبعد حد مستطاع، وهذا التوسع بالمعارف لا يكون إلا بالبحث عن حقائق الأشياء).(12)

لكن هل التزم كونفوشيوس بهذه المبادئ؟ طبعا لا، لأن الركيزة الأساسية في البناء الأسري هي المرأة(الأم)، والدعوة إلى احترام الآباء لا يمكن أن يكتمل دون احترام الأم، والنظرة الدونية السابقة للمرأة، تدل على إخفاق كونفوشيوس في تقديره لمكانة المرأة(لأم)، أضف إلى ذلك أن مبدأ " تقدير الآخر في المحادثة" الذي جاء به كونفوشيوس بقي مشوها، طالما أن احترام المرأة هنا مفقودا، إذ كيف يعقل أن ينتظر من المرأة احتراما ولطفا ومودة ، وهي تشعر بعدم المعاملة الإنسانية والدونية من الرجل؟

وخلاصة القول، أن فشل الفلسفة الكونفوشيوسة في إعطاء المرأة المكانة اللائقة بها، مرده إلى قصور الرؤية عند مبدعها الأول "كونفوشيوس" الذي بنى نظرتها للمرأة على تصورات خاطئة من أولها، إذ أن اعتماده على نظرية مجردة وبعيدة عن الواقع، لا يكفي لإثبات أن المرأة كلها شر، فالمرأة مثلها مثل الرجل، فيها جانب مادي وجانب روحي، وهي عنصر مكمل للرجل، كما أن الرجل عنصر مكمل لها، ولا نتصور استمرار الحياة دونهما معا.

الهوامش:

(1) الاسم المشهور في الصين(كونغ فوتس) ومعنى فوتس الحكيم أو الأستاذ، وكونغ هو الاسم، فمعنى التركيب الأستاذ والحكيم كونغ: وقد حرف الغربيون التركيب إلى كونفوشيوس. ولد ذلك الحكيم عام 551 قبل الميلاد بإحدى قرى مقاطعة لو من مقاطعات الصين وكانت أسرته عظيمة تمت في نسبها إلى فرع ملكي، فكان يجري في عروقه دم ملكي يشعره بالعزة، ولقد كان أبوه قائدا عظيما وحاكما لإحدى المدن، ولم يعقب في شرخ شبابه ولا في كهولته، وقد وهب الله له ذلك الابن الحكيم على الكبر، وقد نيف على السبعين، ولكن الطفل لم يكد يبلغ الثالثة من عمره حتى فقد أباه، ولم يترك له من حطام الدنيا شيئا، غير أنه عاش على سمعة أسرته... ( ينظر: محاضرات في مقارنات الأديان: الديانات القديمة، الإمام محمد أبو زهرة، ص:83).
(2) ترجمان الأديان، د. أسعد السحمراني، دار النفائس- بيروت، الطبعة الأولى:2009م، ص:175.
(3) مقارنة الأديان، د.محمد أحمد الخطيب، دار المسيرة- الأردن، (د.ط)، ص:465.
(4) ترجمان الأديان، ص:193-194.
(5) سفر التكوين: الاصحاح:3، الفقرات: 12-13.
(6) سفر التكوين: الاصحاح:3، الفقرة:16.
(7) ترجمان الأديان، ص:194.
(8) قصة الحضارة، وول ديورانت، ج:4، م:1، ص: 272.
(9) نسبة إلى الشنتو: هي ديانة أهل اليابان الأصلية، وهي عبارة عن مقطعين حسب تسمية أهل الصين (شنshen) وتعني الروح أو الإله، و(توtoa) وتعني طريق، أي طريق الإله أو الآلهة.(ينظر: المعجم الموسوعي...، د. سهيل زكار، ج:2، ص: 529).
(10) محاضرات في مقارنات الأديان: الديانات القديمة، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي ص:101.
(*) يقصد بهم المتقدمون في السن.
(11) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب، ج:2، ص:182.
(12) قصة الحضارة، وول ديورانت، ج:4، م:1، ص: 54-55.

أعلى الصفحة
أنت هنا : Skip Navigation Linksالرئيسية | قائمة المقالات | تفاصيل المقال